ابن كثير
307
البداية والنهاية
إنه مات خارج طرسوس بأربع مراحل فحمل إليها فدفن بها ، وقيل إنه نقل إلى أذنة في رمضان فدفن بها فالله أعلم . وقد قال أبو سعيد المخزومي : هل رأيت النجوم أغنت عن المأمون * شيئا أو ملكه المأسوس ( 1 ) خلفوه بعرصتي طرسوس * مثل ما خلفوا أباه بطوس وقد كان أوصى إلى أخيه المعتصم وكتب وصيته بحضرته وبحضرة ابنه العباس وجماعة القضاة والامراء والوزراء والكتاب . وفيها القول بخلق القرآن ولم يتب من ذلك بل مات عليه وانقطع عمله وهو على ذلك لم يرجع عنه ولم يتب منه ، وأوصى أن يكبر عليه الذي يصلي عليه خمسا ، وأوصى المعتصم بتقوى الله عز وجل والرفق بالرعية ، وأوصاه أن يعتقد ما كان يعتقده أخوه المأمون في القرآن وأن يدعو الناس إلى ذلك ، وأوصاه بعبد الله بن طاهر وأحمد بن إبراهيم وأحمد بن أبي دواد ، وقال شاوره في أمورك ولا تفارقه ، وإياك ويحيى بن أكثم أن تصحبه ، ثم نهاه عنه وذمه وقال : خانني ونفر الناس عني ففارقته غير راض عنه . ثم أوصاه بالعلويين خيرا ، أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن ميسئهم ، وأن يواصلهم بصلاتهم في كل سنة . وقد ذكر ابن جرير للمأمون ترجمة حافلة أورد فيها أشياء كثيرة لم يذكرها ابن عساكر مع كثرة ما يورده ، وفوق كل ذي علم عليم . خلافة المعتصم بالله أبي إسحاق بن هارون بويع له بالخلافة يوم مات أخوه المأمون بطرسوس يوم الخميس الثاني عشر ( 2 ) من رجب من سنة ثماني عشرة ومائتين ، وكان إذ ذاك مريضا ، وهو الذي صلى على أخيه المأمون ، وقد سعى بعض الأمراء في ولاية العباس بن المأمون فخرج عليهم العباس فقال : ما هذا الخلف ( 3 ) البارد ؟ أنا قد بايعت عمي المعتصم . فسكن الناس وخمدت الفتنة وركب البرد بالبيعة للمعتصم إلى الآفاق ، وبالتعزية بالمأمون . فأمر المعتصم بهدم ما كان بناه المأمون في مدينة طوانة ، ونقل ما كان حول إليها من السلاح وغيره إلى حصون المسلمين ، وأذن الفعلة بالانصراف إلى بلدانهم ، ثم ركب المعتصم بالجنود قاصدا بغداد وصحبته العباس بن المأمون ، فدخلها يوم السبت مستهل رمضان في أبهة عظيمة وتجمل تام . وفيها دخل خلق كثير من أهل همذان وأصبهان وماسبذان ومهرجان في دين الخرمية ، فتجمع منهم بشر كثير ، فجهز إليهم المعتصم جيوشا كثيرة آخرهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب في جيش
--> ( 1 ) في مروج الذهب 4 / 53 : وملكه المأنوس . ( 2 ) في مروج الذهب 4 / 54 : لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب . ( 3 ) في الطبري وابن الأثير وابن الأعثم : الحب .